2009-10-28 07:42:54
تحديد جنس المولود.. بين قبول ومعارضة

جمعية تنظيم الأسرة: الطريقة دون ضوابط تتسبب بمشكلة ديموغرافية مستقبلاً
الشيخ عبد الرزاق المؤنس :إذا لم تغيـر الوظيفة الخلقية البشرية، فلا مانع شـرعاً 
الأب جورج جبيل : الحديث عن  تدخل طبي مباشر أمر مرفوض تماماً
د.محمد الحلبي :  المراكز المختصة بتحديد جنس الطفل نفسها مراكز طفل الأنبوب
خطوات كبيرة خطتها وتخطوها الهندسة الوراثية، وبالنظر إلى إنجازاتها كل يوم، يمكن القول: إن خطواتها هذه «قفزات».
فاليوم نسمع باستمرار عن إمكانية الاختيار لنوع المولود وتحديده مسبقاً والتلاعب بصفاته الوراثية.. فالعيون الخضراء أو الزرقاء ممكنة، والشعر الأشقر ممكن، والقامة الطويلة ممكنة أيضا.. أهوخيال علمي وطبي. 
ما نسمعه أم واقع؟!.. فتحديد جنس المولود مسبقاً وقبل حصول الحمل هو اليوم أمر طبي وعلمي ممكن ومتاح.
وبين جدل كبير وقائم لمبررات ودوافع وأسباب مقنعة عند من يلجأ لهذه الطريقة ومعارضة اجتماعية قائمة، نعرض التحقيق التالي:
بعد(5) فتيات.. الطريقة
 خارج الاحتمال
تتحدث إحدى السيدات (أم رضوان) عن تجربة خاصة خاضتها لتنجب طفلاً ذكراً فتقول: بعيداً عن الهندسة الوراثية وتعقيداتها التي لا أفهم شيئاً منها، فلدي من الأولاد خمس فتيات وصبيان.. والمسألة وما فيها أني أردت أنا وزوجي أن يمنّ الله علينا - بعد الفتيات الخمس- بولد ذكر، ولأن هذا الأمر تأخر وخشية أن تأتي الفتاة السادسة عند حصول الحمل، قررت اللجوء إلى الطب ليساعدني في تحقيق هذه الرغبة قبل الحمل.. وفعلاً زرت وزوجي طبيبة نسائية في منطقتنا، وضعت أمامنا الطرق المتاحة والمساعدة، ومع أن إحدى هذه الطرق كانت (التدخل الطبي المباشر بالعملية) وهي طريقة مضمونة أكثر من الناحية النظرية (بحسب الطبيبة)، إلا أنها كانت خارج الاحتمال من قبلنا حتى لو وضعت الأنثى مرة أخرى، نظراً لتكاليفها المرتفعة جداً ولكونها ربما (حراماً).
وكان أن قدمت لي الطبيبة برنامجاً غذائياً خضعت له لفترة زمنية محددة قبل الحمل وفعلا عند الحمل وبعد أول جلسة للكشف عن جنس المولود الذي أحمله عن طريق الإيكو تبين أنه ذكر.. فرحنا كثيراً أنا وزوجي بالخبر وأصبحتُ (أم رضوان).. وبعد الإنجاب أعدت تجربة البرنامج الغذائي مرة أخرى وتكرر النجاح ورزقنا الله بذكر آخر.   
طرق طبية آمنة
الدكتورة (رنا الموقع) طبيبة نسائية تحدثت عن الطرق الطبية المتبعة لتحديد جنس الجنين فقالت: الحديث عن موضوع تحديد الجنين عن طريق التدخل الطبي المباشر أمر يتطلب الحذر في الطرح، فمسألة كهذه تدخل فيها عوامل أخلاقية كثيرة، فكلما زاد احتمال التدخل في جنس المولود، كلما دخلنا بمتاهات أكثر من الناحية الدينية.. وفي العموم هناك وسائل تزيد احتمال ترجيح جنس المولود، سواء الذكر أو الأنثى دون التدخل بشكل مباشر منا نحن الأطباء، وأمثلة ذلك كثيرة منها: عن طريق تحديد موعد الإباضة أو عن طريق الحمية الغذائية أو عن طريق الـ (ph) وهو الوسط الحمضي أو القلوي عند الأنثى، فوجود وسط حمضي ينشط عند المرأة الحيوانات المنوية الأنثوية، أما الوسط القلوي فينشط عندها الحيوانات المنوية الذكرية، وللمثال: فالمرأة التي تأكل منتجات غذائية غنية بالبوتاسيوم والكالسيوم تميل أن تحمل بفتاة، بينما  يحصل العكس مع المرأة التي تميل إلى المأكولات الغنية بالمغنيزيوم والصوديوم ،
وبطريقة أخرى يتلخص دورنا كأطباء في هذه العملية بتهيئة الوسط عند الأنثى بإحدى الحالتين قبل حصول الحمل عن طريق دشات مهبلية موجودة في الصيدليات ومتوفرة ومرخصة شرط استخدامها بحذر وبإشراف طبي. وقالت الموقع: مثل هذه الطرق تأثر على اختيار جنس المولود بنسبة كبيرة وتزيد احتمال تحديد جنسه لكنها غير مطلقة.
ومع ذلك، فالنساء يملن بمعظمهن إلى اعتماد هذه الطرق، نظراً لكونها مقبولة اجتماعياً وأخلاقياً وحتى ربما دينياً، لكنها غير حاسمة وتبقى في إطار الاحتمال.  
تدخل طبي مباشر
(د. الموقع) تحدثت عن وسائل أخرى تزيد الاحتمال وترفع النسبة في تحديد الجنس، نظراً لكون التدخل مباشراً من الأطباء في هذه الحالة التي تقسم إلى طريقتين:
الأولى: يتم بموجبها أخذ الحيوانات المنوية من الذكر وتعديلها، وبدلاً من الاتصال الطبيعي نلجأ إلى التلقيح الصناعي لإدخال هذه الحيوانات المعدلة إلى داخل الرحم وهذه الطريقة تضمن نسبة نجاح تصل لـ80% (sperm selection)
الثانية: اختيار المضغة وهذه الطريقة فيها حرمانية أكثر ولا نلجأ إليها كأطباء وحتى في دول متقدمة علمياً وطبياً، مثل أمريكا، إذ تحمل هذه الطريقة العديد من الإشكاليات الأخلاقية والدينية.
وفي هذه الطريقة يكون التلقيح اصطناعياً أو ما يسمى (بطفل أنبوب (IVF)، فالمضغة الناتجة بعد هذه العملية يتم فحصها عن طريق المجهر من قبل المختص ويتم بحسب رغبة الأبوين اختيار العينة التي تحمل الذكور أو الإناث(حسب الطلب)، لكننا في هذه الحالة نكون قد تركنا باقي العينات لمصيرها لتموت ونكون أمام إشكالية أخلاقية ودينية كبيرة.
تكاليف باهظة
الدكتور (محمد الحلبي) رئيس قسم طفل الأنبوب والإخصاب المساعد في مستشفى السلام التخصصي تحدث بالقول:
التحكم بجنس الجنين قبل حدوث الحمل موضوع موجود في الطب الحديث، ومع التطور الكبير الذي شهده علم الوراثة، تزايدت نسبة النجاح في عمليات كهذه عن  طريق إجراءات تحدث داخل المختبر هدفها تحقيق هذه الغاية.
والطريقة الموجودة والأكثر ضماناً لتحديد المولود، هي طريقة الإخصاب خارج الجسم (طفل الأنبوب) ويتبعها تحديد جنسه ولكنها طريقة مكلفة مالياً ولا ضمان لحدوث الحمل فيها مئة بالمئة .. وتنفذ فقط لغايات طبية ملحة (اختيار الجنس تجنباً لمرض وراثي معين) مثلاً: مرض الناعور مرض وراثي يصيب الذكور، فإن كان تحديد الجنس لتجنبه، فالأمر مبرر ومقبول .. وهو ما يعرف طبياً بتشخيص الأمراض الجنينية قبل التعشيش (PGD).
وقال: "إن أردنا الحديث عن تكلفة مثل هذه العمليات، فإنها تصل في سورية إلى 3400 دولار، أي ما يعادل 160 ألف ليرة سورية".    
طلباً للذكور فقط
وأضاف الحلبي: ما نراه اليوم هو إقبال الناس بالسؤال عن هذه الطريقة بغاية ترجيح جنس الذكور على الإناث في العائلة ومعظم لا بل كل الحالات التي تريد تجربة هذه الطريقة والتي ترد العيادة طلباً للذكور فقط.
في سورية تجرى مثل هذه العمليات وأنا مع عدم استخدامها إلا للضرورات الطبية، ولكني مع ذلك أقول: إن معظم السوريين كانوا سابقاً يجرون مثل هذه العمليات التي هي بصورة أشمل عمليات طفل أنبوب في دول أخرى كالأردن مثلاً، دون أن تستطيع منعهم لذلك وإن كان لا بد، فالأفضل أن تجرى هذه العمليات لدينا مع الالتزام بمعايير مرتفعة من الأخلاق المهنية.
هل يجوز شرعاً
فضيلة الشيخ الأستاذ عبد الرزاق المؤنس قال: يتردد كثيراً وفي الآونة الأخيرة أشخاص يسألون عن مثل هذه العمليات وقبولها دينياً وجوازها شرعاً، كونهم يرغبون بإنجاب أولاد ذكور ولي رأي واضح وصريح في هذه المسألة، فالمطلوب دائماً في أية مسألة تتصل بالأمور الطبية الحديثة وتطورات علم الوراثة أن يكون رجل الدين على إحاطة كاملة بما يتصل بشأنها، إضافة إلى تعمق وتبصر بالأمور الدينية.    
وأقول: إذا كان التدخل الطبي أو العملي أو المخبري من أجل ترجيح جنس على آخر يتدخل في الوظيفة الخلقية الفطرية في عمل الخلية البشرية بطريقة دائمة، بحيث لا تعود إلى ما كانت عليه فهذا حرام ولا يجوز، والدليل الآية الكريمة من سورة النساء (..ولأمُرنّهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خُسراناً مبيناً).  أما إذا كان هذا التدخل لحالة فردية استثنائية لترجيح ذكر على أنثى أو العكس بحيث لا يعطل العملية الطبيعية بعد ذلك لوظيفة الإنجاب الحرة فلا يوجد ما يمنع شرعاً.
وأكمل: الإرادة الإلهية حقيقة غيبية لا يقدر أحد أن يطلع عليها، فإذا قلنا: إن هذه الإرادة قضت بأن هذا الإنسان سيكون له مولود ذكر، سواء بالطريقة الطبيعية أو الجراحية، فكل هذا من مساحة الإرادة الإلهية الغيبية المطلقة، إذ أن إرادة الإنسان بأي تعبير تصرفت أو اتجهت فهي مشتقة من الإرادة الإلهية التي يجهلها والدليل قوله تعالى في الآية الكريمة من سورة القصص: (.. وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة)، وقوله: (..وربك يعلم ما تكن..).
في حالات أخرى يتم فيها التحديد عن طريق مأكولات معينة أو برنامج غذائي، مثلاً فإجابة ذلك أنه إن كانت هذه المأكولات لا تضر الجسم ولا تضر الأعضاء وغير محرمة فأكل هذه المأكولات مباح ومبرر، قوله تعالى: (..هو الذي جعل لكم ما في الأرض حلالاً طيباً..). كذلك التدخل لتجنب الأمراض الوراثية فهو مقبول، فنحن نريد جيلاً قوياً قول الرسول (ص): (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف).  
المولود الجديد هبة الله:
الأب (جورج جبيل) أرشمندريت كاتدرائية سيدة النياح قدّم وجهة نظر الكنيسة في الموضوع فقال: بداية وكمدخل ضروري هناك دعوة مباشرة موجهة من الله إلى الإنسان بغية الزواج، فالزواج حسب الفكر المسيحي سر مقدس، ومن أهم خصائصه أنه مبني على المحبة التي تربط بين الزوج والزوجة، والمولود هو من ثمار هذا الزواج وهو في الوقت عينه غاية الزواج وهو هبة من الله. وعليه فالكنيسة تؤمن بأن كل طفل هو، وإن كان نتيجة الزواج وفعل الزوجين لكنه بالدرجة الأولى عطية من الله لذلك يجب عدم وجود أي تدخل بشري في هذا الموضوع وقبل اتخاذ أي قرار من قبل الزوجين بتحديد جنس المولود الجديد لا بد من العودة إلى الضمير والاحتكام إليه. وعندما نعود إلى الضمير فهذا يعني بالضرورة أننا نترك الأم لرحمة الله تعالى .. فهو الخالق وهو المعطي وهو صاحب الأمر والدليل موجود في سفر التكوين الإصحاح الأول وفيه: (فخلق الله الإنسان على صورته ومثاله ذكرا وأنثى وباركهم وقال لهم انموا وأكثروا واملؤوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وطير السماء وجميع الحيوان الذي يدب على الأرض). مرة أخرى .. الحديث عن تدخل طبي مباشر أمر مرفوض تماماً وتعارضه الكنيسة لتعارضه مع القواعد الأخلاقية والدينية والإنسانية  أما إن كان هناك نوع طعام معين تتبعه النساء رغبة في ترجيح محتمل فإن كانت نوعية الطعام ضمن حدود طاقة الإنسان وإمكانية الإنسان فلا مشكلة أخلاقية في الموضوع.
مشكلة ديموغرافية مستقبلاً
ترى الدكتورة لمى الموقع، رئيسة جمعية تنظيم الأسرة أن مسألة كهذه تتعلق بالحديث عن اختيار مسبق لنوع الجنين ينعكس بصورة سلبية على الأسرة.. ففي المجتمع السوري يميل معظم الرجال عند إجراء عمليات تختص بتحديد الجنس لأسرهم إلى الرغبة في إنجاب أولاد ذكور حصراً، ونادراً ما نسمع عن أشخاص يريدون الإناث.. والجمعية مع أنها تقول بتنظيم الأسرة، وضبط عدد أفرادها لتكوين أسرة مثالية، لكن ذلك يجب ألا يكون على حساب العنصر الأنثوي وخلوه منها.. فلو تُرك الأمر دون ضوابط تحد حدوثه، ربما أدى الأمر في المستقبل البعيد إلى مشكلة ديموغرافية في تركيبة السكان.
وتقول د. لمى: إن الخطة الخمسية للجمعية تتضمن محوراً خاصاً لتمكين المرأة، فكيف يمكن أن تؤيد طرحاً كهذا يتضمن ترجيح الذكور على الإناث بتحديد جنس المولود، (الغاية لا تبرر الوسيلة).
تحت الطاولة
في سورية اليوم مراكز طبية مختصة بهذه الأمور، هي نفسها عيادات طفل الأنبوب، وعددها بحسب الدكتور محمد الحلبي (العضو في لجنة مشكلة من وزارة الصحة للإشراف عليها)، من 5 إلى 6 مراكز في دمشق، ويوجد مركزان في حمص، وفي حلب كذلك، وعلمنا منه أيضاً أن هناك مراكز طبية عديدة قيد الترخيص وكل هذه المراكز باعتبارها مخولة لإجراء عمليات طفل الأنبوب فهي تملك القدرة النظرية لإجراء عمليات تحديد الجنس.
ولكن يبقى الأمر أولاً وأخيراً في إجراء مثل هذه العمليات كغيره في عمليات مشابهة مثل (الإجهاض) التي وإن كانت ممنوعة، فهناك من يقوم بإجرائها (تحت الطاولة)، طالما أن هناك من يطلب ومن يدفع، وطالما أن هناك من يعمل.  
محمد محمود
حقائق
 التاريخ الطبي مليء بالدلائل على محاولة الإنسان معرفة وتحديد جنس الجنين قبل الولادة وقبل الحمل إن أمكن.
 كان فلاسفة الإغريق يعتقدون أن للمرأة رحمين، أيمن لإنجاب الذكور وأيسر لإنجاب الإناث.
 اعتقد أبقراط أن خصيتي الرجل هما اللتان تحددان جنس الجنين، اليمنى لتحديد الذكور واليسرى لتحديد الإناث.
 عام 1965 تم اكتشاف الصبغيات في نواة الخلية، وتبين أن الرجل يحمل الصبغي الذكري y، والأنثى تحمل الصبغي الأنثوي x، وأن جنس الجنين يتحدد بواسطة صبغيين  يرثهما من والديه، فالرجل هو المسؤول عن تحديد جنس الجنين
 الكروموزونات الموجودة عند الذكر xy، أما الموجودة عند الأنثى xx، فإذا كنا نريد تنشيط الحيوانات المنوية الذكرية اخترنا (y).
 
 
المصدر: البعث